حسن الأمين

100

مستدركات أعيان الشيعة

جيملة ( 1 ) ، الذين أدركوا مجدا في بداية عصر الظاهر لإعزاز دين الله في بلاد الشام . وبالنسبة لجعفر بن فلاح ، نلاحظ أن المصادر القليلة التي أشارت إليه ، لم تفدنا بشيء ، ينير السبيل حول نشأته وحياته عندما ظهرت الحركة في منطقة كتامة ، وإفريقية ، ولا عن نشاطه في خدمة الدولة الفاطمية قبل اشتراكه في الحملة الكبرى ضد مصر الإخشيدية ، فلم نصادف إشارة إليه ضمن قادة كتامة في بلاد المغرب الذين اشتركوا إلى جانب جوهر أثناء حركته الكبرى سنة [ 3547 ] 347 ه‍ / 958 - 959 ، هذا بينما نلاحظ إشارة عن اشتراك زيري بن مناد في الحملة ومسئوليته القيادية ودوره في اقتحام مدينة فاس . فهل أن جعفر بن فلاح لم يقم فعلا باي دور إيجابي لفائدة الدولة قبل اشتراكه في الحملة ضد مصر ، التي لم يفصلها عن حملة بلاد المغرب غير فارق زمني يسير ، مداه إحدى عشرة سنة ، ربما كان خلالها جعفر صغير السن نسبيا ، يشق طريقه إلى الظهور في الميدان السياسي تدريجيا ، وهذا احتمال قريب ، أو أن المصادر التاريخية انساقت وراء الروايات الخاصة التي تبرز قيمة جوهر وأهميته عند المعز لدين الله الذي حرص على خضوع الجميع إليه وإظهاره دون غيره في ميدان القيادة في بلاد المغرب حيث ينافسه الكثيرون من أولياء الدولة وعصبيتها ، من رجالات كتامة خاصة ، الذين كانوا بارزين مثله ، وكرهوا أن يظهر عليهم فجاة مع أنه لم يصل إلى مستواهم في القدم والتاريخية وقوة العصبية . ولعل ذلك هو سر إهمال الحديث عنه وعن غيره في ميدان المغرب . أما في مصر فيبدو أن وجود مجموعات قبلية أخرى غير كتامية ، ساعد على ظهوره كقائد لبني قومه الذين كان دورهم البطولي إلى جانبه في بداية ظهور حركة المقاومة عند منية شلقان ، دورا مشرفا . ويبدو أن جعفرا بن فلاح كان من بين قادة الدولة ورجالها في بلاد المغرب ، لكنه لم يلق العناية التي يستحقها لاعتبارات خاصة ، لأنه من غير المقبول بسهولة أن يظهر فجاة في قمة الميدان السياسي والعسكري مساعدا مباشرا لجوهر في قيادة أضخم حملة ضد مصر وأساسا ترتكز عليه جهود الفاطميين في مصر ثم في بلاد الشام إذا لم يكن المعز لدين الله قد عرفه من قبل معرفة جيدة وخبره في ميدان القيادة فتبينت له قدراته ومهارته في الحرب ، وإخلاصه للنظام والتزامه بسياسة التوسع لإيجاد مناطق للنفوذ الفاطمي في بلاد المغرب والمشرق . وعلى أقرب الاحتمالات فان جعفر بن فلاح كانت أهميته في بلاد المغرب لا تقل عما أداه من خدمات للدولة في ميدان المشرق وهو من بين [ الرعبل ] الرعيل الأول ، للجيل الذي أشرف المعز لدين الله على تربيته وتكوينه من أبناء كتامة وشبابهم ، ويؤيد ذلك مجموعة اعتبارات في مقدمتها : - ان مركز جعفر في قيادة الحملة ضد مصر ، كان يلي مباشرة ( 2 ) مركز القائد الأعلى ، وهو جوهر لذلك وقع الاختيار عليه ليقوم دون غيره بأكبر دور ضد الكافورية والاخشيدية ، الذين تجمعوا لمقاومة عبور الحملة إلى الجانب الآخر من النيل ، وهذا يشير إلى أنه كان بمثابة رئيس أركان الحملة حسب المفهوم العسكري الحديث . - وقد اعترف القائد جوهر بأهمية اشتراكه في الحملة ودوره الايجابي ، ولمح إلى دواعي اختيار الخليفة المعز لدين الله له دون غيره إذ خاطبه بقوله « لهذا اليوم أرادك المعز لدين الله » . ( 3 ) - وقد انتدب جعفر ، لكي يتتبع فلول الكافورية والاخشيدية ويضم بلاد الشام إلى النفوذ الفاطمي ، وهذا يعني أن جوهرا كان يعترف بقيمته الخاصة وأهميته لكي يضم قطرا متسعا ويقف فيه حارسا له ولمصر ، من بقايا عناصر السلطة القديمة ومن أطماع القرامطة وتطلعات العباسيين ، وإغارات الروم البيزنطيين . ( 4 ) - ويلاحظ أن المنافسة بين القائدين كانت قوية ومثلت أحد العوامل لترشيح جعفر لمهمة في بلاد الشام ، أبعادا له من مصر . ( 5 ) ومع ما كان يوجد من تنافس فان جوهرا حرص على إرضاء مساعده ومشاركته عاطفيا ، فقد حضر جنازة أحد أبنائه في مصر اعتبارا لشخصه كما حضرها كبار القادة من الكافورية والاخشيدية . ( 6 ) ويلاحظ أن هذا الابن الذي توفي في مصر كان أحد أبناء جعفر الأربعة الذين صحبوه أو ألحقوا به فيما بعد وهذا في حد ذاته يبرهن على أن هذا القائد الكتامي كان كبير السن نسبيا ، عندما اشترك في الحملة ، وقد ظهر دور أحد أبنائه في ميدان القيادة مباشرة ، وهو أبو محمود إبراهيم . ولو لم يكن جعفر في مستوى القيادة وعلى درجة لا تقل عن قيمة جوهر ما تطلعت نفسه إلى الرئاسة العليا وإلى الاستقلال ببلاد الشام عن التبعية لجوهر في مصر ، فقد حرص على الاتصال مباشرة بالخليفة المعز لدين الله في المنصورية دون وساطة جوهر . وإذا كان الخليفة المعز قد سار في خط معين لم يتزحزح عنه ومن ثم كره تصرفات جعفر ، ووقوعه في جوهر ، وسارع إلى رد رسائله ، ولامه وحثه على الكتابة إليه عن طريق القائد الأعلى ، فإنه أوضح له أن حسن التغيير لا يقتضي استفساد قلب جوهر مع إخلاصه للنظام ، وثباته على العهد « قد أخطات الرأي لنفسك ، نحن أنفذنا له مع قائدنا جوهر ، فاكتب إليه فما وصل منك إلينا على يده قرأناه ، ولا تتجاوزه بعد » . ( 7 ) وعند ما اتضح للمعز لدين الله ما بين القائدين من تنافس وجفاء ، وكان يعرف قيمة جعفر وطموحه إلى السلطة والاستبداد بالأمر لم يشأ أن يوسع الهوة بينهما بتغذية طموح جعفر لئلا يغضب جوهر ، ونظرا لأهمية كل منهما للنظام الفاطمي فقد التزم الخليفة بالمبدأ الذي رسمه من قبل وهو إضفاء كل الأهمية على قائده جوهر وفي نفس الوقت أرضى خاطر جعفر ، بتمجيد دوره وخاطبه بقوله « فلسنا نفعل ذلك على الوجه الذي أردته وإن كنت أهله عندنا » . ( 8 )

--> ( 1 ) ابن العديم : زبدة الحلب في تاريخ حلب 1 ، 222 . ط دمشق 1951 . ( 2 ) ابن منجب الصيرفي : الإشارة إلى من نال الوزارة 82 - 83 ويشير إلى أن مقدار ما أعطى لابن هانئ من طرف ابن فلاح كان مائتي دينار وهو نفس ما أعطاه إياه جوهر . ( 3 ) أبو المحاسن : المصدر السابق 4 ، 31 . ( 4 ) نفسه 4 ، 27 ، النويري : المصدر السابق 26 ورقة 41 - 42 . ( 5 ) على إبراهيم حسن : تاريخ جوهر 39 - 40 . ( 6 ) المقريزي : اتعاظ الحنفا 1 ، 118 . ( 7 ) نفسه ، الخطط 1 ، 378 . ( 8 ) نفسه .